قصة آخر خطوة للغفران

قصة آخر خطوة للغفران

قصة آخر خطوة للغفران

أنا اتخطبت تلات مرات ومفيش ولا خطوبة كملت بالجواز، مش علشان أنا وحشة، ولا هما كانوا وحشين.

بس كل مرة كان بيحصل حاجة غريبة قبل الفرح بكام يوم، حاجة تافهة تبوظ الجوازة.
أول خطوبة ليا، الخناقة كانت على الفرح.
أنا كنت عايزه فرح بسيط، كده لمة عيلة ومامت العريس شايفة إنها ليلة العمر ولازم نعملها حاجة كبيرة وبدأنا نتخانق. 
تاني خطوبة أغرب.
سبب الانفصال الخلاف على سرير. هو جاب مودرن، وأنا كنت عايزه الشكل الكلاسيك.
الموضوع تافه بس الخناقة كبرت بطريقة مش مفهومة وفي الآخر برضه اتفركشت.
تالت مرة كانت أقرب مرة للفرح، أنا حرفيًا كنت لابسة فستاني الابيض وقبل الفرح بكام ساعة.
كلمني بصوت هادي وقالي: مفيش نصيب. 
وقفل بعدها السكة علطول من غير ما يقول أي تفسير.
وأنا كل مرة تتفشكل فيها الجوازة أقول:
أكيد ربنا بيبعدني عن حاجة مش لصالحي.
بس بصراحة جوايا كان في إحساس مش مريح، إحساس إن الموضوع مالهوش علاقة بالنصيب، وإن فيه حاجة تانية، حاجة بتوقف فرحتي كل مرة.
وبصراحة بدأت أخاف على نفسي يكون معمول ليا عمل.
أنا ساكنة في شقة صغيرة كده، والطرقة قصيرة، وفي آخرها أوضة. الأوضة دي علطول مقفولة، ماما بس اللي كانت بتفتحها كل فترة عشان تنظفها.
لكن قبل كل فسخ خطوبة، كنت ألاقي الباب موارب وفي كل مرة اشوف كده أروح أسأل ماما:
إنتي فتحتي أوضة أختي النهاردة؟
تقولي بمنتهى الهدوء:
يا بنتي ما قربتش منها.
وأنا أقول لنفسي:
يمكن الهواء؟ يمكن ماما فتحته ونسيت
وفي ليلة سبت، ماما نامت بدري، وأنا قاعدة في الصالة بشتغل كانت الساعة متأخرة والبيت هادي جدًا، قدامي ورق شغلي وكوبايتي.
وفجأة باب أوضة أختي اتفتح، المرة دي بصوت، الصوت كان واضح.
التفت بسرعة وبصيت ناحية الباب، كان مفتوح، بس مش ده اللي خوفني، اللي خوفني إني شفت بنت واقفة عنده.
واقفة ساكتة، جسمها نحيف وطولها غير طبيعي وواقفة من غير ما تتحرك، لابسة فستان واسع لونه باهت وشعرها طويل قوي ونازل قدامها مغطي نص وشها وصوابع إيديها رفيعة وممتدة، مش شكل صوابع بني آدم. شكلها مرعب جدا.
شهقت من الخضة جامد ولما غمضت عيني ثواني، وفتحتها تاني، البنت المرعبة دي اختفت وقتها قلت لنفسي إني أكيد بتخيل وأكيد السبب هو ضغط الشغل، التعب، السهر أي حاجة غير إن اللي شوفته كان حقيقي.
بس الصراحة من ساعة اللحظة دي، وأنا حاسة إن في حد ماشي ورايا في كل خطوة.
أقوم بالليل أحس بنفس حد جنبي قريب، قريب قوي وبرضه أقول لنفسي كل مرة: لأ أنا بتخيل.
لحد الليلة اللي شككتني في نفسي. كنت نايمة، والأوضة ضلمة، وفجأة حسيت إن في حد واقف عند باب الأوضة ما فتحتش عيني بس جسمي اتخشب، ونفسي بقا بيخرج بالعافية.
سمعت صوت حاجة بتتجر على الأرض صوتها بيقرب ناحيتي وأنا كنت ثابتة في مكاني، مش قادرة أتحرك ولا حتى أتنفس. حرفيا كنت مشلولة على سرير. أكيد حد فيكم جرب الاحساس ده.
ولما جه الصبح قلت لنفسي كالعادة: أوهام مجرد أوهام.
بس بيني وبين نفسي؟ أنا عارفة عارفة إن ده مش وهم وإن في حاجة فعلاً بتحصل لكن عقلي رافض أي تفسير غير طبيعي.

وفي يوم وأنا ماشية على الشغل، خطرتلي فكرة غريبة كده فجأة: هو أنا ليه عمري ما دخلت ألاوضة دي لوحدي؟ وليه كل مرة أقف قدام الباب أحس إن حد جوا؟
قربت بخطوات حذرة لسه هفتح الباب سمعت نفس الخربشة، نفس الصوت. طبعا مقدرتش أكمل وطلعت جري على أوضتي ونمت على سرير وغطيت نفسي، بس رجلي كان باين منها جزء صغير، بسرعة دخلتها وقال كده أنا بحمي نفسي. شغل عبط، ما هو لو في حاجة تغطية رجلي ولا راسي هتفرق.
وتاني يوم حاولت اتجاهل اللي حصل وكالمعتاد قلت لنفسي أوهام. لحد ما جه اليوم اللي قلَب حياتي كلها.
رجعت من الشغل بدري يومها، وشفت باب الاوضة مفتوح سيكة، رحت لماما بسرعة، كانت قاعدة في الصالة شكلها تعبان شوية.
 قعدت جنبها وسألتها بنبرة حاولت أخليها هادية:
 ماما إنتي فتحتي الاوضة اللي في الطرقة النهاردة؟
بصتلي باستغراب كامل، وقالت:
 يا بنتي ما قربتش وليه كل شوية بتسأليني السؤال ده؟
ماعرفتش أتكلم وسكت وفي دماغي السؤال ده. لو مش ماما، يبقى مين اللي بيفتح الباب؟ وأحنا مفيش حد غيرنا.
ومن اللحظة دي، بدأت مرحلة جديدة، عشان بقيت مقتنعة أن دي مش أوهام.
وعلى بالليل وأنا ماشية في الطرقة، رايحة ناحية الحمام لمحت الباب بيتحرك حركة صغيرة قوي، وقفت مكاني نفسي بقى تقيل. وبصيت على باب وهو بيتحرك.
وبعدين سمعت صوت خفيف
صوت تك والباب اتفتح سنتي كمان، كأنه بيقولي: ادخلي.
وقتها قلت لنفسي: لو ما دخلتيش النهارده عمرك ما هترتاحي وهتفضلي طول عمرك عايشة في الرعب ده.
زقيت الباب برجلي وفتحت الباب على أخره، وطبعا قبل ما أدخل سندت الباب بالكرسي اللي جنبه عشان ميتقفلش عليا وأنا جوا وبعدين دخلت.
 ودي كانت أول مرة من وقت وفاة اختي أدخل الاوضة دي،
لكن فيه حاجة واحدة شدتني فيها ، الريحة، ريحة مش غريبة عليا، ريحة شامبو أختي.
وقفت في نص الأوضة متخشبة، مش قادرة أتحرك خطوة واحدة وفجأة سمعت صوت همس بيقول: متسبنيش
أول ما سمعت كده خرجت من الحالة الجمود اللي أنا فيها وطلعت جري من الأوضة ورحت على أوضتي
قفلت الباب بالمفتاح، وقعدت على الأرض أترعش.
فضلت أبكي لحد ما دموعي نشفت ولما هديت شوية.
بدأت أقول لنفسي:
ده صوت أختي، أنا متأكدة من ده وليه قالت متسبنيش؟
ليه ده بيحصلي دايمًا قبل أي فرحة؟
ليه كل خطوبة بتتفركش؟
ليه الباب، والصوت، والشعر، ليه الشكل الطويل اللي اختفى لما رمشت؟
كل حاجة كانت بتقولي إنها مش بتيجي عشان تخوفني.
ولما هديت خالص روحت لماما، وقررت اعرف كل حاجة عنها وازاي هي ماتت، وبعد محايلة وإصرار مني، عرفت السبب، كل اللي عقلي كان رافض يفتكره 
كل اللي حصل زمان أفتكرته. 
وقتها قفلت على أختي باب أوضتها وهي جوه، أنا كنت بهزر معاها وقلت شوية وهفتح ليها، وقتها جات ليا مكالمة من صحبتي بتقولي الدرس اتغير والميعاد كمان نص ساعة ونسيت اختى ونزلت روحت الدرس.
وانا راجعة لقيت النور قاطع من المنطقة، افتكرت اختي اللي حبستها في اوضتها طلعت جري على شقتنا وانا ماسكة موبايلي ومشغلة الكشاف، لفيت المفتاح في باب اوضتها والباب اتفتح.

ويا ريتني ما فتحت يا ريت الزمن وقف، يا ريت الكهربا ما قطعت، يا ريت أي حاجة حصلت تمنع اللحظة دي.

أختي كانت على الأرض إيديها على صدرها وعينيها مفتوحة. أختي مريضة قلب وجالها أزمة قلبية.

اكيد صرخت ومحدش سمع. محدش فتح. وأنا، أنا اللي قفلت. أنا اللي موتها.
الكل قالي: قدرها وده كان عمرها.
انتي كنتي طفلة

بعدها، نسيت كل اللي حصل، ممكن تقولوا الفترة دي اتمسحت من دماغي.
البنت المرعبة اللي كنت بشوفه البنت الطويلة ام شعر طويل 
مش عفريت ومش اختي ده ذنبي أنا، ده أنا السبب في ظهوره. دماغي كان بيعيد تشكيل الذنب في شكل حد طويل، حد شعره نازل على وشه، حد مش باين ملامحه.
عقلي تخيل البنت المرعبة دي وبقى يظهرلي قبل أي فرحة علشان يفكرني:
إنتي السبب. انتي متستاهليش الفرحة.
وبعد كام شهر وفي آخر جلسة مع الدكتورة قالتلي:
إنتي محتاجة تسامحي نفسك.
ولما خرجت من عندها، قررت أعمل اللي هربت منه سنين أو بالأصح اللي كان عقلي رافضه.
وقفت قدام باب أوضتها، حطيت إيدي على الأوكرة وفتحت الباب.
دخلت الأوضة، هادية ساكنة مفيهاش صوت ولا ظل ولا بنت شعرها طويل ولا نفس ولا خربشة ولا همس.
كانت فاضية وأول مرة من يوم موتها، حسيت إن قلبي مش بيدق رعب بل بيدق راحة.
الغفران مش بيحصل مرة واحدة، ده خطوة وأنا أخدت أول خطوة.
تمت 
بقلم سلمى 

تعليقات